الشريف المرتضى

130

الذخيرة في علم الكلام

وإن كان العلم بذلك مكتسبا ، فلا بدّ له من أصل في الشاهد يرد إليه ، كما وجب في نظائره من ردّ الكذب الذي نفع أو دفع ضرر إلى التكليف بالكذب الخالي من ذلك في القبح . وهذا متعذّر في التكليف ، لأنه لا طريق في الشاهد إلى العلم بأن المأمور أو المكلّف يعصي أو يطيع . وأيضا قد علمنا أن ما طريق حسنه المنافع وطريق قبحه المضار ، يقوم الظن فيه مقام العلم ، كالتجارات وطلب العلوم وضروب التصرف . ونحن عالمون بحسن ارشاد الضال عن الحق إليه مع الظن بأنه لا يقبل ذلك ، وكذلك بحسن تقديم الطعام إلى الجائع مع الظن بأنه لا يأكل ، وأدلاء الحبل إلى الغريق لينجو به مع الظن بأنه لا يتمسّك به فيخرج . فلو علمنا ذلك بدلا من الظن ، لما اختلف الحسن كما يختلف حسن ما ذكرناه من طلب الأرباح والعلوم ، وساوى العلم فيه الظن . وإذا كان التكليف مما يحسن للمنافع متى كان حسنا ، ويقبح لأجل المضار متى كان قبيحا ، وجب أن يقوم العلم فيه مقام الظن ، وقد بينا حسنه في الشاهد مع الظن أن المأمور لا يقبل ، وكذلك يجب أن يكون مع العلم . فان فرّقوا بين التكليف وبين ما ذكرناه من ارشاد الضالّ عن الدين وتقديم الطعام وأدلاء الحبل ، بأن جميع هؤلاء في مضرة حاصلة وانما عرضناهم لزوالها ، فإذا لم يقبلوا كانوا على ما هم عليه ولم يزدادوا ضررا ، والتكليف عنده ضرر ما كان عنده حاصلا ولولاه لم يحصل . قلنا : من عرّضناه لنفي من ضال عن طريق ، ومحتاج إلى طعام ، وحاصل في لجة ، فلم يقبل فإنه لا بدّ من أن يستحق ضررا زائدا على ما كان فيه ، لأنه إذا فوّت نفسه الخلاص من المضرة بامتناعه يستحق الذمّ من العقلاء والعقاب من اللّه تعالى ، وما كان يستحق شيئا من ذلك لو لم يعرض ، فيمتنع . فبان أنه لا فرق بين الأمرين .